![]() |
قرّر برلمان طبرق اليوم إلغاء قانون العزل السياسي "المعيب" الذي أصدره مؤتمر الإخوان التمييزي الإقصائي في 25 ديسمبر من عام 2012. ولأوّل وهلة يعتقد كثير من الليبيين وخصوصا المهجّرين منهم، وأبناء الدولة الجماهيرية ومسئوليها وموظفيها أن مثل هذا القرار موجب للإرتياح أو الانشراح. غير أن باطن الأمر مختلف تماما عن ظاهره. فالقانون الذي رفضه معظم الليبيين في السرّ والعلانية وفرضه الإخوان وحلفاؤهم بتعلّة عزل كل من عمل مع معمر القذافي وتعاون مع نظامه وتحمّل مسؤولية، قد كان يرمي في الحقيقة إلىتصفية خصومهم من آل فبراير "العلمانيين والليبراليين" وإقصائهم من المشهد، لأن أنصار الدولة الجماهيرية ومسئوليها وكبار موظفيها قد تم عزلهم بالفعل قبل سنّ القانون العنصري التمييزي.. وتم تهجيرهم وطردهم ومطاردتهم وإقصاؤهم من ليبيا بأكملها وليس من الوظائف والمناصب فحسب.
وحين أظهرت نتائج انتخابات جماعة فبراير عام 2012 عدم حصول الإخوان وحلفائهم على غالبية مقاعد المؤتمر، وكان من المفروض بالنظر إلى النتائج أن يترأس الحكومة والمؤتمر طرف من غير الإخوان، سمح هؤلاء بذلك بإيعاز من القطريين وجماعتهم مكرا وخبثا، على أن يشتروا الذين ترشحوا بصفة مستقلّين، وهو ما أتاح لهم تأمين أغلبية مريحة لتمرير قانون العزل الذي أطاح بمحمود جبريل والمقريف وجماعتهم وكثير من العسكريين من بينهم حفتر وضباطه الذين تمت إحالتهم على التقاعد تحت عنوان مختلف، في حين كان الغرض الحقيقي هو عزلهم والتخلص من إمكانية حدوث أي تحرك محتمل من جانبهم.. تحوّل خصوم الإخوان إلى أقليّة بقدرة قادر، بل وظل "النواب المستقلّون" أو "البرلمانيين المرتزقة" كتلة تصويت مأجورة تحت سيطرة الإخوان وجماعتهم استطاعوا بواسطتهم تأمين النصاب والأغلبية للتصديق على قرارات إنشاء "غرف" الثوار المختلفة والدروع ومكافآتها الخيالية، والامتيازات والصفقات القذرة كافّة..
وبالنظر إلى ما سبق شرحه، فإن قرار برلمان طبرق إلغاء قانون العزل السياسي يستهدف بالأساس الانتقام من الإخوان ومحو تركتهم و"إحياء" خصومهم وإعادتهم إلى المشهد بقانون كي يتعزز صف جماعة طبرق.. وفي هذا الإطار يدخل موضوع إعادة حفتر إلى الخدمة العسكرية وإعادة جماعته من المعزولين، تمهيدا لإدماجهم في وظائف قيادية رسمية.. لكن قرارات التعيين والإعادة إلى الخدمة تظل دون سند تشريعي ما لم يتم إلغاء قانون العزل السياسي.. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن قرار إلغاء العزل السياسي يعتبر حركة استعراضية و"ترضية" لقطاع كبير من معارضي فبراير. لكنه ليس بالترضية الفعلية ولا يتجاوز مرتبة "صك دون رصيد".. وورقة نقدية من فئة قديمة غير قابلة للصرف أو التداول..
إن هذا القرار يأتي لإلغاء أحدّ أشدّ القوانين عنصرية وتمييزا وانتقامية، لكنه سيظل حكرا على جماعة فبراير جون غيرهم.. وأجدر بالليبيين غير الفبرايريين ألاّ يشيّدوا قصورا من الأحلام والوهم.. وإذا كان قانون العزل السياسي نابعا بالفعل من رغبة صادقة لدى جماعة طبرق في إعادة الإمكانيات البشرية الليبية إلى الوطن كي تساهم في إنقاذه وعبور المرحلة القاتمة التي يعيشها، فإن المطلوب هو إعلان ذلك والتأكيد على شمولية القرار لكافة الليبيين.. لأن قانون العزل قد حرم ليبيا من إمكانيات وقدرات مئات الآلاف من أبنائها.. وحرم هؤلاء من حقوقهم في العمل والكرامة والعيش الكريم ليجدوا أنفسهم عاطلين يتسوّلون الرغيف والمأوى ببلدان الجوار وبمدن ليبية أخرى لا سند لهم فيها..
إذا كان هذا القرار يرمي إلى استعادة الإدارة ليبية لأبنائها الذين أنفقت عليهم أموالا ضخمة لتدريبهم وتمكينهم وتوظيفهم، وإحياء مؤسسات ليبية جرت تصفيتها وتشتيت موظفيها بموجب قانون العزل السياسي، فإنه لا بدّ من إلغاء كافة مفاعيل هذا القانون الانتقامي ومذكرات الاعتقال الجائرة ودعاوى الملاحقات الثأرية وجرائم الاستيلاء على الممتلكات وأوامرالحراسة غير المبررة..
هذا القول يعتبر تحدّيا لجماعة طبرق واختبارا لنواياهم الحقيقية، ويعتبر توصية إلى الليبيين من غير أنصار فبراير ألاّ يركنوا إلى مثل هذه الإجراءات الشكلية ما لم تثبت جدّيتها ومصداقيتها على المحك. وللحديث بقية.





